فخر الدين الرازي
28
شرح الفخر الرازى على الاشارات
علة قريبة انما هي المؤثرة في الحركات والموجدة لها أو يكون العقل علة بعيدة انما هو المؤثر في وجود النفس والموجد لها وهذا معقول مفهوم لكن العقل لا يكون علة للحركات البتة بل علة لعليتها والنفس الجسمانية هي العلة للحركات الجسمانية الغير المتناهية فقط وحينئذ يتوجه الاشكال ( وهم وتنبيه [ في دفع ما يوهم من أن المباشر لتحريك الفلك ] ولعلك تقول ان جار ذلك فيكون متناهي التحريك لا دائم التحريك فيكون لغير هذه الحركة فاسمع واعلم أنه يجوز أن يكون محرك غير متناهي التحريك يحرك شيأ آخر ثم يصدر عن ذلك الآخر حركات غير متناهية لا على أنها يصدر عنها لو انفرد بل على أنه لا يزال ينفعل عن ذلك المبدأ الأول ويفعل واعلم أن قبول الانفعالات الغير المتناهية غير التأثير الغير المتناهى والتأثير الغير المتناهى على سبيل الوساطة غير تأثيره على سبيل المبدئية انما يمتنع في الأجسام أحد هذه الثلاثة فقط ) التفسير هذا هو السؤال الأول مع زيادة تقرير وهي انه إذا كان الملاصق للتحريك هوه القوة الجسمانية وجب أن تكون هذه الحركات متناهية لما بينتم ان أفعال القوة الجسمانية متناهية ثم أجاب بان النفس الجسمانية غير مستقلة باقتضاء التحريكات الغير المتناهية بل هي تنفعل عن العقل المفارق انفعالات غير متناهية وبوساطة تلك الانفعالات تقوى على أفعال غير متناهية واعلم أن هاهنا أمورا ثلاثة أحدها الانفعالات الغير المتناهية وثانيها التأثيرات الغير المتناهية على سبيل الوساطة وثالثها التأثيرات الغير المتناهية على سبيل الاستقلال والممتنع في القوى الجسمانية هو القسم الثالث وهو التأثيرات الغير المتناهية على سبيل الاستقلال فاما القسمان الأولان فغير ممتنعين ولقائل أن يقول على ما ذكرتموه من وجوه فالأول ما المعنى بانفعالات النفس من العقل ان عنيتم بها كون القوة الجسمانية في ذاتها معلول العقل فهذا مسلم لكن هذا القدر لو كفى في كون القوة الجسمانية مبدأ للأفعال الغير المتناهية لصح ذلك في جميع القوى الجسمانية لان المؤثر في جميع القوى والكيفيات في هذا العالم هو العقل الفعال وان عنيتم بها حدوث أمر في النفس الجسمانية أو زوال أمور عنها بسبب العقل فتكون الأمور الحادثة والزائلة أمورا جزئية متغيرة وقد اسندتموها إلى العقل وذلك غير جائز عندكم لان الثابت لا يكون علة للمتغير وإذا جاز ذلك فليجز أن يكون المبدأ القريب لحركات الفلك هو العقل المفارق وأيضا فان جاز ذلك فلم لا يجوز مثله في سائر القوى الجسمانية وحينئذ لا يمكن القطع في شيء من القوى الجسمانية بأنها لا تقوى على أفعال غير متناهية لاحتمال أن يحصل لتلك القوة الجسمانية من الانفعالات عن العقل المفارق ما لأجلها تقوى على أفعال غير متناهية ان أردتم بهذه الانفعالات أمورا وراء كون العقل علة لذات النفس ولصفاتها فاذكروا ذلك المعنى ليمكننا أن نتكلم فيه بالنفي والاثبات وهذا آخر الكلام في اثبات العقول بهذا الطريق